بقلم: جمال عبد الحميد جاد الرب
لا تُقاس قوة الإدارة بعدد القرارات التي تصدرها، ولا بقدرتها على فرض الانضباط وحده، بل بقدرتها على الجمع بين النظام والإنسانية. فالموظف الذي يظهر في كشف الرواتب برقم وظيفي يحمل خلف هذا الرقم أسرة ومسؤوليات ومخاوف وطموحات. وحين تتجاهل المؤسسة هذه الحقيقة، قد تنجح في ضبط الحضور والانصراف، لكنها تخسر الانتماء الذي لا تصنعه اللوائح وحدها.
الإدارة الإنسانية لا تعني التساهل، كما يظن البعض. التساهل المستمر يظلم المجتهد، ويشجع المقصر، ويضعف المؤسسة. أما الإنسانية فهي أن تطبق القاعدة بعدل، وأن تسمع قبل أن تحكم، وأن تفرّق بين من أخطأ مرة ومن اتخذ الخطأ منهجًا، وبين ظرف طارئ وإهمال متكرر. وهي أيضًا أن تشرح القرار لصاحبه، لأن الإنسان يستطيع أن يتقبل قرارًا صعبًا إذا شعر أن صوته سُمِع وأن كرامته لم تُمس.
في بيئات العمل المتنوعة، خاصة في دولة تجمع جنسيات وثقافات ولغات مختلفة، تصبح الإدارة أكثر من توزيع للمهام. المدير الناجح يدرك أن العبارة الواحدة قد تُفهم بطرق متعددة، وأن الموظف الجديد ربما لا يعرف الأنظمة المحلية، وأن الخوف من فقدان الوظيفة قد يمنع شخصًا من الإفصاح عن مشكلة صغيرة حتى تتحول إلى أزمة كبيرة. لذلك فإن وضوح التعليمات، وسهولة الوصول إلى المسؤول، وتوثيق الإجراءات، ليست أمورًا شكلية؛ إنها وسائل لحماية الطرفين.
مرّت أمامي مواقف كان يمكن أن تنتهي بنزاع، لكنها حُلّت بحوار صادق. كما رأيت مواقف بدأت بمجاملة غير محسوبة ثم تحولت إلى حقوق متنازع عليها. والدرس في الحالتين واحد: الرحمة تحتاج إلى نظام يحميها، والنظام يحتاج إلى روح تمنعه من التحول إلى قسوة. فإذا منحنا موظفًا مهلة، وجب أن تكون محددة ومكتوبة. وإذا اتخذنا إجراءً تأديبيًا، وجب أن يستند إلى وقائع موثقة وفرصة عادلة للرد. بذلك نحفظ الكرامة ولا نهدر المسؤولية.
أكثر ما يؤذي الموظف ليس القرار السلبي دائمًا، بل الغموض. أن ينتظر راتبًا لا يعرف موعده، أو معاملة لا يعرف مرحلتها، أو شكوى لا يعرف من يتابعها، يجعله أسيرًا للقلق والشائعات. الإدارة المحترفة لا تعد بما لا تستطيع، لكنها تقول الحقيقة في وقتها. قد تكون الحقيقة صعبة، غير أن وضوحها يمنح الشخص القدرة على ترتيب حياته، بينما يبقيه الصمت معلقًا بين أمل وخوف.
وينطبق الأمر نفسه على التقدير. ليس كل تقدير مكافأة مالية؛ أحيانًا تصنع كلمة شكر في وقتها فارقًا كبيرًا، أو يصنع اعتراف علني بمجهود موظف شعورًا بأن العمل مرئي وله قيمة. وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول النقد إلى إهانة، ولا أن تُناقش أخطاء الأفراد أمام زملائهم لمجرد إثبات سلطة المدير. التصحيح الحقيقي يعالج السلوك ويحفظ مكانة الإنسان.
وتظهر إنسانية المؤسسة بصورة أوضح عند الأزمات: مرض موظف، أو ظرف أسري، أو ضائقة مفاجئة، أو نزاع انتهى بخروجه من العمل. هنا تختبر المؤسسة مبادئها. هل تلتزم بمستحقاته؟ هل تشرح له الإجراءات؟ هل تحفظ خصوصيته؟ هل تترك باب العودة مفتوحًا لمن خدمها بإخلاص؟ إن طريقة الوداع قد تبقى في الذاكرة أكثر من سنوات العمل كلها، والموظف السابق قد يصبح أفضل سفير للمؤسسة أو أشد منتقديها.
من جهة أخرى، يحتاج الموظف أيضًا إلى فهم أن الإنسانية مسؤولية متبادلة. المؤسسة التي تقف معه تتوقع منه الصدق، واحترام الوقت، والمحافظة على مواردها، وإبلاغها بالمشكلة مبكرًا. الحقوق لا تكتمل من دون واجبات، والثقة لا تستمر إذا استغلها أحد الطرفين. الثقافة الصحية تُبنى عندما يعرف الجميع أن القاعدة واحدة، وأن الاستثناء له سبب، وأن الاحترام لا يتغير باختلاف المنصب.
إننا لا نحتاج إلى مؤسسات بلا أخطاء؛ فهذا مستحيل. نحتاج إلى مؤسسات تعترف بالخطأ وتصلحه، ومديرين يملكون الحزم من دون تجريح، والرحمة من دون ضعف. عندما ترى الإدارة الإنسان قبل رقم الموظف، فإنها لا تقدم عملًا خيريًا، بل تستثمر في الاستقرار والإنتاجية والسمعة. فالإنسان الذي يشعر بالأمان والعدل يعطي أكثر، ويحمي مكان عمله، ويصبح نجاح المؤسسة جزءًا من نجاحه الشخصي.
كاتب وخبير في العلاقات الحكومية

تابعنا على