رئيس مجلس الإدارة
مصطفي محمد عبيد
رئيس التحرير
سارة محمد النجار

حين نادَتني «أُمِّي» بعيدًا عن وطني


في عام 2012 حزمتُ حقائبي متجهةً إلى الدوحة. كنتُ أظنُّ أنني ذاهبة لأُعلِّم — ولم أكن أعلم أنني ذاهبة لأتعلَّم.

كان أوَّل ما صدمني حين فتحتُ باب فصلي لأوَّل مرة: وجوهٌ من عوالم لم أقترب منها يومًا. طالبٌ من إندونيسيا بجانب طالبة من البرازيل، وشابٌّ من غانا أمام فتاة من كوريا، وبينهم وجوهٌ من عشرين دولة أخرى جلسوا جميعًا يتطلَّعون إليَّ بعيون تسأل: هل ستفهمينَنا؟

لم يكن هذا الفصلَ الذي تخيَّلتُه. كان أكثر منه بكثير.


قطر اليوم ليست مجرَّد دولة خليجية — هي ملتقى حضارات حقيقي. يعيش فيها أكثر من 88 جنسية، وتحتضن جامعة قطر وحدها طلابًا من أكثر من مئة دولة. وفي فصلي أنا، كانت العربية لغةً ثانية للجميع — بما فيهم أنا أحيانًا، حين كنتُ أجد نفسي أتعلَّم من لهجاتهم وأسئلتهم ما لم تُعلِّمني إياه الكتب.

في أوَّل أيامي كنتُ أُعِدُّ دروسي بالطريقة التي تعلَّمتُها: منهجٌ واضح، أهدافٌ محدَّدة، خطةٌ دقيقة. لكنَّ الفصل متعدِّد الجنسيات لا يسير دائمًا وفق الخطة. الطالب الفيتنامي يصمت لأنَّ ثقافته تُعلِّمه أنَّ الصمت أدب، والطالب البرازيلي يتكلَّم لأنَّ ثقافته تُعلِّمه أنَّ الصمت بُعد. وبينهما أنا — أحاول أن أجد اللغة التي تصل إلى الجميع.

شيئًا فشيئًا فهمتُ أنَّ تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ليس نقل معرفة — هو بناء جسر بين عوالم.


لكنَّ اللحظة التي لم أتوقَّعها كانت مختلفةً تمامًا.

بعد أشهر من بدء الفصل نادَتني طالبةٌ أفريقية بكلمة لم أكن أنتظرها: «أمِّي».

توقَّفتُ.

نظرتُ إليها، ثم جاءت المفاجأة الأكبر — طالبةٌ كورية أخرى نادَتني بالكلمة ذاتها. وهذا في ثقافتها ليس أمرًا عاديًّا أبدًا. الكوريون لا يمنحون هذا اللقب إلَّا لمن يستحقُّه فعلًا.

في تلك اللحظة لم أشعر أنني معلِّمةٌ فقط. شعرتُ بثقل مختلف — ثقل المسؤولية. هؤلاء الشباب القادمون من أقاصي الأرض، البعيدون عن أمَّهاتهم الحقيقيات، يبحثون في فصل اللغة العربية عن شيء أعمق من القواعد والمفردات. يبحثون عن دفء.

ومنذ تلك اللحظة تغيَّرتُ.


في السنوات الثلاث عشرة التي تلت ذلك اليوم جلس أمامي آلاف الطلاب. تعلَّمتُ أنَّ الطالب الذي يخشى الخطأ لا يتعلَّم — لأنَّ الخوف يُغلق الدماغ قبل أن يُغلق الفم. وتعلَّمتُ أنَّ الضحكة المشتركة داخل الفصل تُعلِّم مفردةً لا تُنسى، بينما الشرح الطويل يمرُّ دون أن يترك أثرًا.

تقول الأبحاث الحديثة إنَّ 65% من متعلِّمي اللغات يلجؤون للذكاء الاصطناعي اليوم بدلًا من المعلِّم. وأنا لا أُحاربه — أُدخله فصلي وأُعلِّم طلابي كيف يستخدمونه بوعي. لكنَّني أعرف شيئًا لا يعرفه الذكاء الاصطناعي بعد: أنَّ الطالب الذي يُنادي معلِّمته «أمِّي» لا يبحث عن خوارزمية. يبحث عن إنسان.


قطر منحَتني أكثر مما أعطيتُها. منحَتني تنوُّعًا جعلني معلِّمةً أفضل، ومنصَّةً جامعية دعمَت تطوُّري المهني بلا حدود، ومئات الطلاب الذين باتوا في قلبي قبل أن يكونوا في سجلَّاتي.

وفي كلِّ مرَّة أفتح باب فصل جديد وأرى وجوهًا من عوالم مختلفة — أتذكَّر تلك الطالبة الأفريقية والكورية. وأتذكَّر أنَّ أجمل ما في مهنة التعليم أنَّها تمنحك أبناءً من كلِّ أنحاء الأرض.


د. عبير حيدر

محاضرة في اللغة العربية لغير الناطقين بها — جامعة قطر

مؤلفة كتاب «ملح الكلام» في الأمثال الشعبية العربية